الصفحة 232 من 246

لا تمزح بيدك

3 دقائق قراءة·492 كلمة
❧

لا تمزح بيدك، ولا تجعل الضرب والدفع وشد الثياب من وسائل إضحاك الناس؛ فإنك لا تعلم ما يحتمله صاحبك، ولا ما في جسده من وجع، ورب دفعة أردت بها المزاح أوقعت رجلًا فكسرت عظمه، أو أفسدت عليه شيئًا يحبه. وقد يصبر عليك مرة حياءً منك أو مراعاةً للمجلس، فتحسب سكوته رضا، وتزيد حتى يغضب، ثم تلومه على غضبه وتقول: إنما كنت أمزح. وأنت الذي بدأت بأذيته، وألجأته إلى ردك، وأفسدت ما بينكما.

ولا تروّع أحدًا لتضحك من فزعه؛ فلا تختبئ له في الظلام، ولا تفاجئه بصوت مفزع، ولا توهمه وقوع مصيبة في أهله أو ماله، ولا تسحب من تحته مقعده، ولا تُشِر إليه بسلاح ولو ظننته خاليًا. ما تراه لحظةً تضحك فيها قد يبقى أثره في نفس غيرك طويلًا، وقد يحمله الخوف على حركة تؤذيه أو تؤذي من حوله. ولا تفعل ذلك بالصغير لضعفه وعجزه عن ردك، ثم تضحك من بكائه وتصفه بالجبن؛ فإن من حقه عليك أن يأمنك.

وامزح، ولكن لا تكثر حتى يُملّ حديثك، ولا تجعل لكل كلمة جوابًا مضحكًا، ولكل أمر جاد موضعًا للسخرية. من اعتاد الناس منه الهزل احتاج إلى إقناعهم كلما أراد الجد، ومن جعل نفسه مضحكة المجلس استدعوه ليضحكوا، ثم ربما لم يجد عندهم من التوقير ما يرجوه. وليكن مزاحك في وقته ومع أهله؛ فلا تقطع به حديثًا جادًا، ولا تفسد به مجلس علم أو عمل، ولا تطلب من مهموم أو مصاب أن يشاركك الضحك، ثم تتهمه بثقل الطبع إن لم يفعل.

واعرف أقدار الناس وما بينك وبينهم؛ فما يحتمله منك أخوك قد لا يحتمله زميلك، وما يقبله صاحبك على انفراد قد يكرهه أمام الناس. ولا تتخذ الألفة ذريعةً إلى قلة الأدب، ولا تختبر محبتهم لك بمقدار ما يصبرون عليه من إساءتك. وإذا رأيت من صاحبك انقباضًا فأمسك، وإذا قال لك: كفى، فكفّ من أول مرة، ولا تُحرجه بطلب تفسير كراهته لما تؤذيه به.

ولا تسخر من خِلقة أحد أو اسمه أو نسبه أو لهجته أو فقره، ولا تقلّده لتستضحك الناس منه، ولا تنبزه بلقب يكرهه ولو اشتهر به. وإياك أن تستخرج من أسراره مادةً للمزاح؛ فقد ائتمنك عليها حين اطمأن إليك، فلا تجعل ثقته بك سببًا لفضيحته. ولا تتناول أهله بما يكره، ولا تُعِد على مسامعه زلةً ندم عليها، ولا تجعل ضعفه في أمر تعرفه مدخلًا لإذلاله كلما اجتمعتم.

واحذر أن يجتمع المجلس على رجل واحد، فهذا يغمزه بكلمة، وذاك يقلده، وثالث يضحك ويستزيد، وهو يضحك معهم اتقاءً لمزيد من الأذى. لا تشاركهم، ولا تعنهم بضحكك، واقطع عن صاحبك ما تستطيع من إساءتهم. وإذا كانت لك سلطة على من تمازحه، فكن أشد احتياطًا؛ فإن موظفك أو تلميذك قد يضحك لك وهو كاره، ويعجز عن ردك خشية عاقبتك. ولا تصوّر إنسانًا في حال تضحك الناس منه، ولا تنشر صورته أو صوته لتجعل إحراجه فرجةً لمن لا يعرفه.

وإذا أخطأت في مزاحك فاعتذر اعتذارًا صريحًا، ولا تقل: أنت حساس، أو لا تفهم المزاح؛ فإنك بذلك تضيف إلى أذيته لومه على التأذي. وأصلح ما أفسدت، وردّ ما أخذت، وعوّض ما أتلفت، ولا تعد إلى ما عرفت أنه يكرهه. واجعل حظ صاحبك من مزاحك سرورًا يشاركه معك، واحفظ له في هزلك ما تحفظه لنفسك من كرامة.

إعدادات القراءة

المظهر
حجم النص
25

أثناء القراءة، استخدم السهم الأيمن في لوحة المفاتيح للانتقال إلى الصفحة السابقة، والسهم الأيسر للانتقال إلى الصفحة التالية.